أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار

حرب "صدور الدجاج": الصين تغزو أسواق الشرق الأوسط وتنافس العرش البرازيلي

 

هل تستطيع الصين منافسة البرازيل في سوق الدجاج خلال السنوات العشر القادمة؟

لعقود طويلة، كانت البرازيل هي الاسم الأول الذي يتردد عند الحديث عن تصدير لحوم الدجاج على مستوى العالم. بنية تحتية متكاملة، تكلفة إنتاج منخفضة، ووفرة في الذرة وفول الصويا، جعلت من البرازيل المُصدّر الأول بلا منازع. لكن في السنوات الأخيرة، بدأ اسم جديد يفرض نفسه بقوة على خريطة التجارة العالمية للدواجن: الصين. فهل يمكن لهذا العملاق الآسيوي أن يهدد عرش البرازيل خلال العقد القادم؟ هذا ما سنحاول تحليله في هذا المقال.

من مستورد إلى مُصدّر: التحول الصيني اللافت

من أبرز التطورات التي شهدها القطاع مؤخرًا أن الصين تحوّلت من دولة مستوردة صافية إلى دولة مُصدّرة صافية للحوم الدجاج ابتداءً من عام 2024، بعدما كانت التجارة الخارجية تمثل تاريخيًا جزءًا محدودًا نسبيًا من ميزان اللحوم الصيني.

الأرقام تعكس هذا التحول بوضوح: بلغت قيمة صادرات الصين من لحوم الدجاج نحو 2.59 مليار دولار في عام 2025، أي ما يقارب ضعف قيمة الصادرات في عام 2020، بينما تضاعفت الكميات المُصدَّرة بمعدل أكبر، إذ تضاعفت ثلاث مرات تقريبًا خلال نفس الفترة، مدفوعة بتنويع الصين لأسواقها التصديرية، خاصة نحو الدول النامية الحساسة للسعر.

أما نسبة الصادرات إلى إجمالي الإنتاج، فقد كانت تتراوح تاريخيًا بين 3% و5%، لكنها في طريقها للوصول إلى 8% خلال عام 2026، وهو ما يعكس تحولًا هيكليًا وليس مجرد قفزة موسمية عابرة.

الإنتاج الصيني يتفوق على البرازيل

اللافت أن هذا النمو في التصدير يترافق مع تفوق متوقع في الإنتاج ذاته. فبحسب توقعات وزارة الزراعة الأمريكية، من المرجّح أن يرتفع الإنتاج الصيني من لحوم الدجاج إلى ما يقارب 17.3 مليون طن في عام 2026، بزيادة 5% مدعومة بارتفاع مخزون قطعان الأجداد، واستمرار توسع كبار المنتجين المتكاملين رأسيًا، وكفاية طاقات الذبح والتصنيع، إلى جانب انخفاض تكاليف الأعلاف الذي يخفف من حدة ضعف أسعار الدجاج محليًا.

في المقابل، يتوقع أن يرتفع الإنتاج البرازيلي بنسبة أقل، نحو 2%، ليصل إلى 15.8 مليون طن، وهو ما يعني عمليًا أن الصين قد تتجاوز البرازيل لتصبح أكبر مُنتج للحوم الدجاج في العالم خلال 2026، متقدمة بذلك حتى على الولايات المتحدة في هذا المؤشر تحديدًا.

حصة الصين من الصادرات العالمية في تصاعد سريع

على صعيد حصة السوق التصديرية، تشير تقديرات محللي "بي تي جي باكتوال" إلى أن حصة الصين من صادرات الدجاج العالمية ستصل إلى نحو 9.5% في عام 2026، مقارنة بنحو 3% فقط قبل أقل من عقد من الزمن، وهو ما يجعلها ثالث أكبر مُصدّر للدجاج في العالم، متجاوزة بذلك تايلاند التي كانت تحتل هذا المركز لسنوات طويلة.

في المقابل، ستظل البرازيل محتفظة بالصدارة بحصة تقارب 35% إلى 36% من الصادرات العالمية، تليها الولايات المتحدة بحصة تقارب 20%. أي أن الفجوة بين الطرفين ما زالت كبيرة، لكن اتجاه الحصص يميل بوضوح لصالح الصين.

أين تكمن نقطة الاحتكاك الحقيقية؟

المثير في المشهد ليس فقط نمو الصادرات الصينية، بل طبيعة المنتجات التي تصدّرها الصين. فالمستهلك الصيني يفضّل تقليديًا منتجات مثل أرجل ومخالب الدجاج، بينما يواجه صدر الدجاج طلبًا محليًا أضعف نسبيًا. هذا التفاوت في التفضيلات المحلية يدفع المنتجين الصينيين إلى تصدير كميات متزايدة من صدور الدجاج تحديدًا نحو الأسواق الخارجية.

وهنا تكمن المشكلة بالنسبة للبرازيل: فصدور الدجاج هي أحد أكثر المنتجات ربحية بالنسبة للمُصدّرين البرازيليين، خاصة في أسواق مثل السعودية والإمارات، حيث تحقق أسعارًا مجزية. ومع دخول الصين بقوة إلى هذا القطاع تحديدًا، تحذّر تحليلات مالية من أن الأمر قد يشكل "خطرًا هيكليًا حقيقيًا على الأسعار" بالنسبة لمُعالجي اللحوم البرازيليين، خصوصًا أن الصين تتمتع بميزة جغرافية نسبية في القرب من أسواق الشرق الأوسط مقارنة بالبرازيل، ما قد يمنحها أفضلية في تكاليف الشحن.

البرازيل ليست واقفة موقف المتفرج

رغم كل هذا الزخم الصيني، لا ينبغي إغفال أن البرازيل نفسها تسجل أرقامًا قياسية. فقد سجّل إنتاجها من لحوم الدجاج رقمًا قياسيًا تجاوز 14.3 مليون طن، بزيادة سنوية تُعد الأكبر منذ عام 2021، مدعومة بمحصول وفير من فول الصويا يساهم في خفض تكاليف الإنتاج.

كذلك واصلت الصادرات البرازيلية تحقيق أرقام قياسية خلال النصف الأول من عام 2026، حيث قفزت الشحنات في شهر يونيو وحده بنسبة تجاوزت 40% مقارنة بالعام السابق، فيما ارتفعت الإيرادات بأكثر من 54%. والمفارقة اللافتة هنا أن الصين نفسها كانت الوجهة الأولى للصادرات البرازيلية في ذلك الشهر، متقدمة على اليابان والإمارات، ما يعني أن العلاقة بين البلدين ليست علاقة منافسة مباشرة فقط، بل علاقة تبادل تجاري متشابكة أيضًا.

كما تحتفظ البرازيل بمزايا تنافسية هيكلية يصعب تعويضها بسرعة: الالتزام بمعايير الحلال والسلامة الغذائية الدولية، أنظمة متقدمة لإدارة الأمراض، بنية تحتية مخصصة لتصدير اللحوم المجمدة، ووصول واسع إلى أسواق لا تستطيع الصين الوصول إليها بنفس السهولة حاليًا، مثل اليابان وكوريا الجنوبية والمكسيك.

قراءة في المستقبل: هل تحسم الصين المنافسة خلال عشر سنوات؟

بالنظر إلى المعطيات الحالية، يمكن رسم صورة متوازنة لما قد يحدث خلال العقد القادم:

عوامل تدعم صعود الصين:

  • قاعدة إنتاجية ضخمة ومتكاملة رأسيًا، مع تبني متسارع للأتمتة والتصنيع الكبير.
  • تفضيلات استهلاكية محلية تدفع فائض الإنتاج (خاصة صدور الدجاج) نحو التصدير.
  • قرب جغرافي نسبي من أسواق الشرق الأوسط الواعدة.
  • دعم حكومي واضح لتوسع كبار المنتجين المحليين.

عوامل تحافظ على تفوق البرازيل:

  • حصة سوقية أكبر بكثير حاليًا (35% مقابل أقل من 10% للصين).
  • تكاليف إنتاج تنافسية جدًا بفضل وفرة الأعلاف محليًا.
  • سمعة راسخة وعلاقات تجارية طويلة الأمد مع أهم الأسواق المستوردة.
  • وصول إلى أسواق يصعب على الصين اختراقها حاليًا لأسباب صحية وتجارية وسياسية.

الأرجح أن السنوات العشر القادمة لن تشهد "خلعًا" كاملاً للبرازيل من عرش التصدير، لكنها ستشهد بلا شك تآكلاً تدريجيًا في هامش تفوقها، خاصة في فئة صدور الدجاج وفي أسواق الشرق الأوسط تحديدًا. الصين تتحرك من موقع "اللاعب الجديد" إلى موقع "المنافس الجاد"، وقد تصبح خلال هذا العقد ثاني أكبر مُصدّر عالمي بدلاً من ثالث أكبر مُصدّر فقط.

خلاصة

المنافسة بين الصين والبرازيل في سوق الدجاج العالمي لم تعد مجرد توقعات نظرية، بل واقع تعكسه الأرقام والاتجاهات الفعلية للإنتاج والتصدير. وبينما تحتفظ البرازيل بموقع الصدارة اليوم بفارق مريح، فإن المسار التصاعدي الحاد الذي تسلكه الصين — إنتاجًا وتصديرًا — يجعل من الحكمة متابعة هذا الملف عن كثب في السنوات القادمة، خاصة بالنسبة لصناع القرار في قطاع الدواجن بمنطقتنا العربية، الذين تُعد أسواقهم من أهم ساحات هذه المنافسة الناشئة.


المصادر: تقارير وزارة الزراعة الأمريكية (USDA-FAS)، تحليلات بنك BTG Pactual، ومعطيات المعهد البرازيلي للجغرافيا والإحصاء (IBGE).

تعليقات